Press "Enter" to skip to content

كيف نتعامل مع التراث الديني.. شجاعة الانسلاخ أم مأزق الاستنساخ

للتراث الديني وجوه متعددة، ففيه صور مشرقة للأخلاق والتسامح وقبول الآخر، وفيه قصص فظيعة للظلم والإقصاء وسفك الدماء. وتستدعي المجتمعات من التراث عادة ما ينسجم مع أوضاعها السياسية والاجتماعية، فتسترجع منه نماذج السلام والتعايش إذا كانت تعيشهما راهنا، وتنكص إلى ما فيه من كراهية وانقسام إذا كانا سِمَتَين لحاضرها.

وثمة علاقة جدلية بين الماضي والحاضر، فنحن ننظر للماضي بعين الحاضر لنستعير منه عينا ننظر بها إلى أزماتنا المعاصرة، بمعنى أن إملاءات الواقع الحالي وظروفه هي التي تحدد ما نأخذه من التراث لصناعة واقع افتراضي متخيّل نعزز أو نقاوم به الواقع الحقيقي الراهن.

فإذا كان المجتمع يعيش حالة من الانغلاق الثقافي والانسداد السياسي والاختناق الاقتصادي فإنه يستحضر ما في التاريخ من تطرف وعنصرية وكراهية وإكراه إلى اللحظة الماثلة، مستخدما ما في روايات السلف المستَرجَعة من حمولة دينية وما لها من رصيد روحي شعبي في إضفاء الشرعية الأخلاقية على ما يمارسه أفراد ذلك المجتمع وجماعاته اليوم في ما بينهم من عدوانية وطائفية وقسوة وتطهير ديني ومذهبي.

والسؤال الملح، كيف نتعامل مع التراث الديني الذي يتمتع بمكانة متضخمة في الوعي العربي والإسلامي تسمح بكل هذا التوظيف المدمّر للتاريخ المتناقض المشبّع بالصراع في نزاعات الحاضر السياسية والفئوية والطائفية المحلية والإقليمية؛ هل الحل في القطيعة مع الماضي واتخاذ سبيل التصفير الثقافي للعقل العربي والإسلامي، أم الأمثل تنقية التراث مما فيه من “شوائب” ومقاربته بعقلية تجديدية والاستثمار في إيجابياته؟

ويبدو صعبا أن يخضع التراث للتنقية أو إعادة الإنتاج في نسخة معتدلة، فهو منظومة ثقافية وإدراكية ملتبسة تنتمي إلى سياق تاريخي مغاير، إما أن نأخذها كلها مع تحمّل استحقاقات هذا الخيار، وإما نتركها كلها وننشئ منظومتنا الخاصة المعبّرة عن عصرنا والقابلة للحياة فيه. وليس المقصود بترك التراث هنا العداء له أو إحراقه، ولكنه عدم الخضوع للاستلاب الفكري والمفاهيمي الناتج عن تقديس الماضي ونصوصه وشخوصه.

التطرف اليديني واخطاره
التطرف اليديني واخطاره

ثمّة من يطرح فكرة تحييد التراث والاتجاه للتنمية والتحديث لتخليق سياق حضاري ومعرفي جديد للإنسان لتغيير طريقة فهمه للتاريخ باعتبار أن التنمية الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والديمقراطية كفيلة بإفراز مناخ فكري واجتماعي منفتح وتعددي يدعم استلهاما أكثر رشدا وعقلانية للتراث، لكن التنمية لا تغني عن جهد تنويري مواز، فهي تفتح الآفاق لصناعة قراءة وسرد حديثين للحياة والواقع لا تكون معهما حاجة جوهرية للعودة إلى الماضي والتراث.

لكن نعود لنقول إن هذا لن يتحقق من دون “تصفير ثقافي” للعقل العربي الإسلامي بمعنى القطيعة الواعية مع الفكر الماضوي للبدء مجددا بحرية وانعتاق، ذلك أن فكرة “تنقية التراث” عبر أخذ الصالح وهجر الطالح منه تفتقر للأمانة العلمية لأنها إقرار بـ”سلطة” التراث و”مرجعيته” وفيها انتقائية ومحاباة للتطرف، وهي مجرد انتقال مراوغ بين قراءات التراث؛ من “القراءة المتشددة” إلى “قراءة متسامحة” طوباوية مفترَضة أو مصطنعة دون التحرر من العيش في التاريخ والاستسلام لسطوة الموروث ومتاهاته والربط العضوي والجوهراني بين التراث و”حقيقة الإيمان”.

ولا يبدو مصطلح “تنقية التراث” علميا، فهو مفهوم أصولي براغماتي يتضمن معاني التجميل والتزييف والتدليس و”التصويب السياسي” أي جعل الروايات التراثية المتداولة إسلاميا، أكثر لباقة ودبلوماسية دون المساس بجذور الفكر المتشدد ومنطلقات الاستعلاء الديني ومنابع النرجسية الهوياتية.

كما يشي مفهوم التنقية بمحاولة مماهاة التراث مع نقاء وتفوق مفترَض ينفي “جوهر” الذات الإسلامية باعتبارها تعكس “الدين الحق” و”الحق المبين”، إذ يزعم الخطاب الأصولي أن سلبيات التراث مكذوبة أو ملفقة، ولذلك يسميها بـ”الشوائب” أي أنه يراها دخيلة على “أصل” نقي في ذاته، وهو موقف موغل في الأصولية.

ولإفراغ المراجعة النقدية للتراث من مضمونها وتسطيحها، تشترط المؤسسة الدينية التقليدية عادة، للقبول بتلك المراجعة، عدم المساس بما تسميه “الأصول والثوابت”، وتصف عيوب التراث على أنها مجرد آراء شاذة وأحاديث موضوعة، وتؤكد أن دعوات نقد التراث تأتي في سياق “مؤامرة” على الإسلام من العلمانيين.

ليس التراث نصوصا متناثرة ومستقلة عن بعضها لنتعامل معها بفرز انتقائي؛ لكنه بات بفعل تواتر التدوين والتداول والاستحضار المؤدلج، بنية سردية ودلالية راسخة وكُلّانيّة، تتداخل فيها عوامل ثقافية واجتماعية وبيئية وتاريخية، وينبغي أن تخضع لعملية تفكيك نقدي شامل ودراسة تحليلية في الإطار العلمي والمعرفي بعيدا عن الأدلجة والتقديس الديني.

لا مفر من القطيعة مع النظرة الأصولية للتراث، لأن مجرد الحديث عن الفرز بين ما فيه من طيّب وخبيث أو أصيل ودخيل هو إقرار بسلطة ومثالية وأفضلية هذا التراث كإطار ومرجعية وتأكيد لفكرة إلزامية العودة إليه انطلاقا من فرضية أصولية تقول بسماوية وقدسية النص “اللاهوتي” الذي تأسس عليه التراث.

ولذلك لا يمكن الاعتداد بمحاولات تجديدية أو اجتهادية غير قادرة على التحرر من الارتهان لمرجعية التراث الأصولية وعقدة الإيمان بقداسة الأنا الإسلامية وحقها “الأصيل” في هداية العالم، فبعض ما يحصل من مراجعات فكرية لموضوع “الجهاد” مثلا إنما يجري ضمن إطار المرجعية التراثية نفسها التي أنتجت التعصب والإرهاب، إذ يدور الجدل حول تفاصيل فقهية وجنائية وإجرائية متّصلة بالعنف الجهادي وشروطه وظروفه وتوقيتاته ووسائله وصلاحيات ممارسته، لكنه لا يناقش جذور أيديولوجيا العنف المقدس الاعتقادية والثقافية المبنية على احتكار الفضيلة ودعوى التفويض السماوي للمسلم بإصلاح الكون وتطهيره من الرذيلة، بمعنى أن فكرة وجود حق ديني في الإسلام باستخدام العنف ضد آخر كافر مازالت متمكّنة من الوعي الإسلامي.

ولا يقتصر مفهوم النقد الموضوعي على تبيان السلبيات والإيجابيات فحسب؛ وإنما يشمل مساءلة الجذور والخلفيات والمصادر وتفكيك البنى الظاهرية والعميقة للنص التراثي وسياقه التاريخي، ويفترض أن يستند إلى أرضية من النزاهة والتجرد، وألّا يُحتكر من أي جهة، ولذلك لا يمكن القبول بنقد التراث بعقلية سلفية منحازة وذرائعية تعمد إلى تسليط الضوء على بعض عيوبه بانتقائية وسطحية وتضخيم أو انتحال وفبركة المحاسن واعتبارها جزءا من الدين، وإلزام المسلمين باتخاذها مرجعية أخلاقية أحادية وقسرية في هذا العصر، وتكفير الناس والتمييز بينهم على أساس موقفهم منها، وترويج أن سلبيات التراث هي انحراف عن “أصول” و”حقائق” الدين الصافية وأن علينا العودة إلى هذه الأصول والعيش وفق معاييرها التي يحددها الخطاب الأصولي الراهن؛ ما يعني أن نقد التراث هنا تحول إلى وسيلة لإعادة إنتاج وتعزيز الأصولية الدينية لا لتقويض هيمنتها.

ولا يمكن نقد التراث بآليات تراثية أو تفكيك الأصولية بأدوات الأصولية، لأننا سنبقى ندور في دوامة التقديس الكابحة لروح النقد، فالتراث يُنقد بالبحث العلمي والوعي المعرفي والحفر في البنية التاريخية وتشريحها ثقافيا واجتماعيا، والدراسات المقارنة في الأديان والأنثروبولوجيا، لا بالتراث نفسه، هو محاولة لمعالجة الأزمة بالفكر ذاته الذي أنتجها.

وليس ممكنا الاستلهام الإيجابي للتراث إلا بنزع القداسة عنه أولا، وتفكيك هيمنته التي فرضتها على الوعي الاجتماعي قرون من التوظيف السلطوي للدين ورواياته من قبل السلطات السياسية والدينية والثقافية والاجتماعية التي استعملت النصوص المقدسة لتأطير مصالحها وشرعنة رغباتها.

وليس في الدعوة للقطيعة المعرفية مع المقاربة الأصولية للتراث إقصاءٌ لما فيه من قيم نبيلة وصور للتسامح؛ ولكنها محاولة لمَوْضَعة هذه القيم في سياق رأس المال الأخلاقي الإنساني الموجود على امتداد التاريخ والجغرافيا، وهو ليس حكرا على التراث الديني الإسلامي وحده، ما يستوجب إعادة إدماج الوعي الإسلامي ضمن الوعي الإنساني وتفنيد فكرة احتكار المسلمين للخيرية زمانا ومكانا وإنسانا؛ فلماذا نفترض أن الخير في الماضي فقط وليس في الحاضر أو المستقبل، ولماذا تكون الفضيلة في بقعة دون أخرى من هذا الكون، ولماذا يعتقد المسلم أنه أرقى من غيره بحكم الدين والهوّية؟

ويبدو من المتعذر أن نستفيد من التراث الإسلامي حضاريا إلا بعد مساواته بغيره من نماذج التراث الإنساني ومعارفه وثقافاته القديمة والمعاصرة بدون تمييز أو انحياز لصالح تراث المسلمين، فالعقلانية تقتضي عدم إعطاء التراث الديني الإسلامي حصانة أو قدسية أو أفضلية على غيره؛ لأن المآل الوحيد لمقاربة التراث بروح التعصب العقائدي والشعور بالتفوق الديني والتميّز الهوياتي والاستعلاء الطائفي هو تحويله إلى مورد للتطرف والعنصرية والإقصاء واحتقار الآخر والانتحار الجماعي.

وقد تبدو الدعوة للقطيعة والمفاصلة مع الفكر التراثي الارتدادي موقفا متشددا؛ ولكن لا يمكن مواجهة التطرف الكاسح المتسلّح بالتراث إلا بموقف تنظيري مضاد وحازم، حتى وإن بدا راديكاليا، لدحض النظريات الأصولية المعتمدة على تمجيد التراث وتبجيله.

إن رفع سقف المواجهة مع التطرف من الحلول الوسط والتسويات الخجولة إلى جرأة وحسم قرار المقاطعة الصريحة للمنطق السلفي الماضوي الذي ينهل منه، هو ضرورة لرسم أفق التعامل مع التراث المقدس الذي يحكمنا بالإكراه والتطرف الذي يجتاح مجتمعاتنا.

ما نحتاجه هو موقف نقدي واستقصائي شجاع تجاه التراث، يرفض الخضوع لأي تسوية معرفية أو ثقافية مصطنعة تتيح للتطرف النفاذ الفكري والنفوذ المجتمعي، إذ لا يعني أي تهاون في هذا المواجهة الفكرية سوى السماح للتطرف بفرض أجندته وابتلاع وتغييب المقاربة العقلانية للدين لصالح مقاربات التعصب والكراهية والعنف.

ينبغي أن يكون الرد الفكري على التطرف الراديكالي واضحا وعلميا وراديكاليا بالاتجاه المعرفي التنويري المضاد للاستبداد الدوغمائي عبر قطيعة فكرية مع مرجعية النقل والقولبة الثقافية والتلقي السلبي للسرد الديني والقداسة والأحادية وادعاءات العصمة والصفاء والكمال، والتحول نحو مرجعية العقل والنقد والشك والقلق المعرفي والانفتاح والتساؤل ونسبية الحقائق والتجرد والتمرد على الاستهواء الجمعي، ومغادرة الماضي باتجاه المستقبل، والانتقال من القسرية الدينية والتعسّف والوعي الفاشي وتسيير الجماهير بالدعاية الديماغوجية العاطفية إلى المسؤولية العقلانية وامتلاك الإرادة والتفكير العلمي والوعي الفردي المستقل وحرية الفكر والتعبير واحترام التنوع والتعددية.

إن المطلوب هو التحرر من النفوذ الفكري والقيمي الذي يتمتع به التطرف والأصولية في مجتمعاتنا، وإنهاء “الإمبريالية الثقافية” للتراث وهيمنته على العقول والضمائر، فهو متغلغل في خرائطنا المعرفية ونسيجنا الثقافي، إذ يستعمر الماضي الحاضر ثقافيا، ويتسبب في تشويهه وتجريفه اجتماعيا وسياسيا، أي أن التاريخ يمارس غزوا واحتلالا مستمرين للحاضر والمستقبل. وعندما نضفي هالة القداسة على التراث الديني فإننا نسمح له بقمع الحاضر ثقافيا، وما قوانين ازدراء الأديان وما يحصل لكل من يفكر خارج الصندوق التراثي من إهانة واستباحة إلا نتيجة لهذا الاستعمار الثقافي الماضوي للمجتمعات العربية.

وتحاكي طريقة استخدامنا للتراث في قمع الحاضر سلوكا لحدّاد بروكرست في الأسطورة اليونانية، وهو قاطع طريق كان يهاجم الناس ثم يمطّ أجسادهم أو يقطع أرجلهم لتتناسب أطوالهم مع سريره الحديدي. إن التراث الديني هو السرير الحديدي الذي نريد للحاضر والمستقبل أن يكونا على مقاسه كرها وعنوة. والخطاب الصحوي الإسلامي يتبنى منذ عقود “بروكرستية فكرية” تسعى لقولبة الزمان والمكان والإنسان والمجتمعات والدول بالطريقة التي يمليها التراث الديني وما يفرضه من أطر وقوالب ومسلكيات.

وتعتمد الإمبريالية الثقافية للتراث في توغلها وتغوّلها على الهيمنة اللغوية للنص التراثي في الفضاء العربي، فعبر الخطاب الديني الكثيف والصاخب، يمارس التراث ضد الحاضر شكلا من الإكراه البلاغي، ومع استمرار زخم الخطاب الدعوي تزداد بالتراكم سطوة النص التراثي على الوعي العربي والإسلامي، ويتفاقم خضوع العقل الجمعي لهيمنة اللغة الدينية وما تغرسه في المجتمع من مفاهيم وقيم وثقافة واتجاهات.

وبينما يحتاج الفرد والمجتمع إلى محاكمة التاريخ ومناقشة أحداثه بحياد وموضوعية وتشكيك ونقد، ومساءلة الشخوص والمواقف؛ فإن هالة القداسة المضفاة على التراث الديني جعلته مع رموزه خارج دائرة المساءلة والمحاسبة، فتحوّلت رواياته إلى حقائق غير قابلة للدحض، وأمست متشرّبة ومتسرّبة في النسيج القيمي للمجتمع، وبات الانسلاخ عنها عملية مؤلمة مثل نزع الروح، وكانت النتيجة الكارثية لهذا المشهد خروج التراث من حيز الظنيات المعرفية القلقة النسبية ليدخل في حيز اليقين العقائدي الراسخ المطلق.

ويشكّل نقد السرد الديني والظاهرة الأصولية المعاصرة آلية معرفية مهمة لمقاومة الإمبريالية الثقافية للتراث؛ نصوصا ورموزا ومعتقدات ومسلّمات، بهدف إحداث نقلة تنويرية في الوعي العربي. وتجربة الإسلام السياسي والجماعات الدينية الناطقة بالفشل أمامنا تثبت أن النظريات المستمدة بانتقائية أصولية، لا تصلح لهذا العصر، ولذلك ينبغي نقد الأصولية الإسلامية ومعطياتها عبر التعمّق في دراسة جذور مأفرزته من المفاهيم الدينية وتفكيك بنيتها وتحليل محتواها.

ويبدو جليا أن الذي تسبب في تقديس التراث عربيا هو القول بحاكمية النقل على العقل. وفريضة العصر اليوم قلب هذه المعادلة بجعل العقل حاكما على النقل ونزع القداسة عن التراث وتركه ليواجه الاختبارات الثقافية والفحوص المعرفية والتحديات الحضارية من دون حصانة دينية، فالمطلوب تصفير ثقافي وقطيعة مع الماضوية، إذ لا يمكن إبرام تسوية مع الأصولية أو القبول بمصطلحات مهادِنة أو مخاتِلة مثل “تجديد الخطاب الديني” الذي هو عملية تلفيق فكري ودعائي وتزيين للتطرف.

إن المكانة والسلطة الممنوحتين للتراث الديني هما ما يغذي أيديولوجيا الإسلام السياسي، فتقديس التراث هو منبع التطرف، وعلينا تجفيف منابع التقديس تمهيدا لمكافحة الكراهية. الإسلام السياسي هو وليد الإسلام الأصولي أي إسلام التراث الديني، وسيبقى الأول ما بقي الثاني.

المصدر :  http://alarab.co.uk/

Be First to Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *