Press "Enter" to skip to content

ماهو تأثير البلاسيبو (العلاج الوهمي) وكيف يعمل؟

نشأة البلاسيبو وأهميته:

في عام 1772 ذكر الطبيبُ الإسكوتلندي ويليام كولن William Cullen أنه أعطى دواءً لا يحوي مادةً فعالةً لمرضاه ومع ذلك ظهرت عليهم بعضُ النتائجِ الإيجابيةِ، أما مصطلحُ البلاسيبو فلم يتمَّ استعمالُه حتى القرنِ العشرين؛ لكن، وبغض النظرِ عن هذه المعلومةِ التاريخيةِ، هل نكتفي بنتائجَ ذكرها طبيبٌ منذ أكثر من 230 سنة؟! ألا يبدو استعمالُ مادةٍ غيرِ فعالةٍ تصرفاً غيرَ مهنيٍّ، وربما غيرَ أخلاقيٍّ، كإعطائه لمريضٍ يحتضر أو في أمسّ الحاجةِ للعلاج؟ ما قولُ العلمِ الحديث، وما قولُ الطبِّ المُسنَدِ بالدليل في هذا الصدد؟ ببساطة، إن استعمالَه هو تصرفٌ مهنيٌّ، لكن كيف ولماذا؟

حسناً، قبل استخدامِ البلاسيبو في التجارب الطبيةِ، كان الأطباءُ يختبرون كفاءةَ الأدويةِ أو الطرقِ العلاجيةِ الجديدةِ باستخدام مجموعتين من المرضى؛ الأولى تُعطى الدواءَ الجديدَ، والثانيةُ لا تُعطى شيئاً، أو تُعطى دواءً قديماً، فإذا كان حالُ الأولى أفضلَ من الثانية فالدواءُ الجديدُ فعال، وإلا فإنه – أي الدواءَ الجديد- خلافُ ذلك.

لكن، ماذا لو كان تحسُّنُ المرضى ناتجاً عن عواملَ نفسيةٍ لا عواملَ بيولوجيةٍ، ألا يؤثر ذلك على نتيجة الدراسةِ الطبية؟ هنا يأتي دورُ بطلِنا، البلاسيبو، حيث نعطي مجموعةً من المرضى الدواءَ الجديد، ومجموعةً أخرى الدواءَ القديم، ومجموعةً ثالثةً البلاسيبو، ولكي نحكمَ بأن الدواءَ الجديد هو الأكثر فعاليةً، فيجب أن تكونَ نتائجه أفضلَ من نتائج البلاسيبو (وبذلك نستبعد العاملَ النفسي)، وأفضلَ من الدواء القديم.

العوامل التي تؤثر على عمل البلاسيبو:

إنه لمن الغريب أن تؤثرَ المادةُ غيرُ الفعالةِ بشكلٍ مختلفٍ على مجموعةٍ من الأشخاص (وسنستعرض سببَ ذلك في الجزء الخاصِّ بآلية عملِ البلاسيبو)؛ من العوامل المؤثرةِ حجمُ الدواءِ، فكلما كان حجمُ حبةِ الدواء مثلاً أكبرَ كان تأثيرُها أكبرَ، وحبّتان تؤثران أكثرَ من حبةٍ واحدة، الحبوبُ ذاتُ اللونِ الأحمرِ والأصفرِ والبرتقالي ذاتُ تأثيرٍ منبه (تزيد حالةَ الصحوِ وضرباتِ القلبِ مثلاً).

أما الحبوبُ ذاتُ اللونِ الأزرقِ والأخضر فهي ذات تأثيرٍ مهدئ؛ وإذا أخبرنا المريضَ أن هذا الدواءَ الذي سنعطيه إياه غاليَ الثمنِ أو من شركة دوائية مشهورةٍ، فإن تأثيرَه سيكون أكبرَ مما لو أخبرناه أنه دواءٌ رخيص أو من شركة متواضعة.

ليس هذا فقط، بل، ولنزيدَ الأمرَ غرابةً، نذكر أن البلاسيبو يؤثر بشكلٍ مختلف على المجتمعاتِ المختلفةِ، فأدويةُ خفضِ الضغط أقلُّ تأثيراً على الألمان مقارنةً بغيرهم، وفي الوقت عينِه، يعمل البلاسيبو بشكلٍ أفضلَ لدى الألمانِ عندما يكون الأمرُ متعلقاً بقرحة المعدة.

والأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فالمرضى الذين يُعطَون البلاسيبو على أنه دواءٌ منبه، يزداد لديهم معدلُ ضرباتِ القلبِ ويرتفع الضغط ويزداد معدلُ تفاعلاتِ الجسم، أما الذين يُعطَون نفسَ البلاسيبو على أنه دواءٌ منوِّمٌ يحدث لديهم العكس.

ما هو تأثير البلاسيبو؟

قد يحدث البلاسيبو أحياناً استجابة عند الأشخاص، وتكون هذه الاستجابة إيجابية أو سلبية. فعلى سبيل المثال قد تتحسن أعراض المريض، أو قد يتظاهر لديه ما يبدو كأنه تأثيرات جانبية للدواء، وتعرف هذه الاستجابة باسم تأثير الدواء الوهمي. وقد سجلت بعض الحالات التي أمكن للغفل أن يحدث فيها تأثيراً حتى عندما كان المرضى يعلمون أن ما يتناولونه هو دواء وهمي.

وقد دلت الدراسات على أن الغفل قد يكون له تأثير على بعض الحالات مثل: الاكتئاب، والألم، واضطرابات النوم، ومتلازمة الأمعاء الهيوجة IBS، وانقطاع الدورة الطمثية (الحيضية). وفي إحدى الدراسات التي أجريت على مرضى الربو، لم يبد المرضى الذين استخدموا جهاز الاستنشاق الوهمي (الغفل) أي تحسن في اختبارات التنفس عندما تمت المقارنة بين وضعهم بعد استخدام الغفل ووضعهم عندما كانوا جالسين دون فعل شيء. ولكن عندما سأل الباحثون المرضى عما أحسوا به عند استخدام الغفل، ذكر المرضى أنهم شعروا بارتياح يكافئ ذلك الناتج عن استخدام الدواء الحقيقي.

ما هي آلية تأثير البلاسيبو؟

ركزت البحوث المتعلقة بتأثير الغفل على العلاقة بين العقل والجسم. وتنص أشيع الفرضيات على أن تأثير الغفل ناجم عن توقعات المرء. فعندما يتوقع الشخص أن حبة الدواء سوف تحمل تأثيراً معيناً، فمن المحتمل أن العمليات الكيميائية داخل الجسم قد تتسبب بتأثيرات مشابهة لما يحدثه الدواء الحقيقي.

فعلى سبيل المثال، عندما تم إعطاء الأشخاص في إحدى الدراسات دواء وهمياً وإخبارهم بأنه دواء منشط لوحظ بعد تناول حبة الدواء تسرع نبضات قلوب المتطوعين، وارتفاع ضغطهم الدموي، وتحسن سرعة المنعكسات. أما عندما تم إعطاؤهم الحبة ذاتها وإخبارهم بأنها حبة دواء منوم، لوحظ عندهم تأثيرات معاكسة. ويشير الخبراء أيضاً إلى وجود علاقة بين مدى اعتقاد الشخص بحدوث التأثيرات، وحدوثها أو عدمه. فكلما كان الاعتقاد أقوى، ازداد احتمال ظهور التأثيرات الإيجابية لدى الشخص.

كما يحتمل أن يكون هنالك تأثير عميق مستبطن ناتج عن تفاعل المريض مع طبيبه أو من يقوم برعايته صحياً. وعلى ما يبدو فإن الأمر ذاته صحيح عندما يتعلق الأمر بالتأثيرات السلبية. فإذا كان الأشخاص يتوقعون أن يسبب لهم الدواء بعض الأعراض مثل الصداع أو الغثيان أو النعاس، فسوف يزداد احتمال ظهور هذه التأثيرات.

ونود أن نشير هنا إلى أن كون تأثير الغفل مرتبطاً بتوقعات المريض لا يجعله علاجاً مزيفاً أو تخيلياً، بل حتى أن بعض الدراسات أشارت إلى حدوث تبدلات حقيقية جسدية بالتزامن مع حدوث تأثير الغفل. فعلى سبيل المثال، كشفت إحدى الدراسات عن ازدياد تصنيع الإندورفينات، وهي إحدى مسكنات الألم الطبيعية داخل الجسم. ومع ذلك، فإن إحدى أهم المشاكل الناتجة عن تأثير الغفل هي صعوبة التمييز أحياناً بينه وبين التأثير الفعلي للأدوية الحقيقية المأخوذة أثناء الدراسة. وإن إيجاد طريقة للتمييز بين تأثير الغفل وتأثير العلاج الحقيقي قد يساعد في تطوير العلاج ويقلل من كلفة اختبارات الأدوية، وربما يقودنا تقدم الأبحاث للتوصل إلى طرق لاستخدام قوة تأثير الدواء الغفل في معالجة الأمراض.

تجارب:

في دراسة قام بها باحثون بمركز الدراسات الصحية في سياتل- الولايات المتحدة الامريكية- ، عن طريق معالجة أشخاص يعانون من آلام مزمنة أسفل الظهر، حيث قاموا بتصميم جهاز للوخز بالإبر استبدلوا فيه الإبر بـ “عيدان تنظيف الأسنان” والتي تقوم بعمل الإبر ولكن دون إختراق الجيد ، وذلك دون علم المرضى.
وقام الباحثون بإخضاعهم لـنوعين من العلاج ؛ الأول : الوخز بالإبر الحقيقة، الثاني : وخز بالإبر المزيفة (عيدان الاسنان) ..

والنتجية كاتنت مذهلة ؛ حيث وجد الباحثون أن كلا النوعين من وخز الإبر فعال في تخفيف الألم ، بل في نفس المستوى من الفعالية والكفاءة نفسها ، وهذا نتيجة التكافؤ بين التكيف والتوقع لدى المريض ، الذي أدى إلى استجابة جسده للعلاج الوهمي.

لم يقتصر دور العلاج الوهمى على الأمراض الجسدية فقط، بل وصل للأمراض النفسية أيضاً ، حيث يرى أطباء النفس ان البلاسيبو في الأساس “ظاهرة نفسية” لذلك يمكن إستغلالها لعلاج المرضى النفسيين.

وقد تم بالفعل تجربة فعالية العلاج الوهمي مع بعض المرضى الذين يعانون من الإكتئاب الحاد، عن طريق إعطاءهم حبوب دوائية وهمية، في حين إعطاء مرضى آخرين حبوب دوائية حقيقية، فكانت النتيجة تحسن المجموعتين بنفس المستوى.

قد تتأثر الخصوبة بالبلاسيبو:

حتى الخصوبة يمكن أن تتأثر بالبلاسيبو. ففي إحدى التجارب كان هناك مجموعة من 55 امرأة يعانون من تعدد التكيسات على المبيض يحاولون أن يصبحوا حوامل. على مدار 6 أشهر تم إعطاء بلاسيبو ل33 مشاركة في حين أنه 32 مشاركة تناولت أدوية لتحسين الخصوبة.

5 من بين الـ33 امرأة اللاتي تناولن البلاسيبو أصبحن حوامل ، و 7 من بين 32 امرأة تناولن أدوية لتحسين الخصوبة أصبحن حوامل ، و هنا نجد أن فرق النتيجية بين الطرفين لا يذكر من الناحية الإحصائية. و في أبحاث أخرى كانت معدل حدوث الحمل بلغ 40% عند تلقي بلاسيبو.

يعتقد الباحثون أن النساء اللاتي خضعن لهذه التجربة كانوا أقل تعرضاً للضغط العصبي نظراً لتناول البلاسيبو و بالتالي حدث الحمل.

يؤثر ثمن العلاج على النتائج:

قام باحثون في جامعة سينسيناتي بإجراء تجربة على 12 شخص في حالة متقدمة نسبياً من مرض الشلل الرعاش. حيث قاموا بإعطاء كل واحد منهم بلاسيبو و أخبروهم أنه فعال في علاج الشلل الرعاش ، و لكن أخبروا بعضهم أن الأقراص التي يتناولوها أغلى في السعر 15 مرة أكثر من الأدوية التي يتناولها الآخرون. و قد أظهر الذين أُخبروا أن علاجهم أغلى ثمناً نتائج أفضل من التي ظهرت على الآخرين.
و في تجربة أخرى ، 67% من المشاركين أظهروا تحسناً على بلاسيبو تم إخبارهم أنه غالي الثمن في حين أن 58% قالوا أنهم شعروا بتحسن بعد تناولهم بلاسيبو أرخص ثمناً.

هذه التجارب توضح إلى أي مدى تؤثر معتقداتنا في تأثير العلاج. إذا كان علاج شخص ما أغلى ثمناً فإنه يتوقع منه أداءً قوياً.

أنمار رؤوف

Be First to Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *