Press "Enter" to skip to content

سلسلة الكتل (بلوك تشين) نهايات عصر القانون الحديث

بدأ العالم منذ فترة وجيزه في استحداث وسائل جديدة من شأنها اعادة النظر في العديد من المبادئ القانونية التي استقر عليها المجتمع البشري منذ الوف  السنين. وهذا الاستحداث يرتكز على مبدأ  الثقة التي منحها القانون سواء من خلال القوانين التشريعية ، او من خلال التعاملات التحارية مثل كتّاب العدل والبنوك وأية دوائر معنية في توثيق المعاملات القانونية ، سواء اكانت تجارية او مدنية او غيرها.

ولبيان طبيعة هذا التطوير الذي يسمى  “بلوك تشين” لا بد من بيان ماهية القوانين التي كانت تنظم المعاملات القانونية وتقوم على توثيقها. ومرتكز هذه القوانين جميعا ان المتعاملين يقومون دائما بوضع ثقتهم بمحل ما، سواء اكان شخصا طبيعيا او اعتباريا. فأطراف العلاقة في التعاملات التحارية غالبا ما يلجأوا الى البنوك بغرض  الاحتفاظ بودائعهم او بغرض الحصول على ضمانات كالكفالات او الاعتمادات المستندية، كما ان الناس عادة  يلجأوا الى كاتب العدل لغرض توثيق معاملاتهم ، او إلى طرف ثالث لتوثيق معاملة بين طرفين. كل هذه الادوات يجمعها شيء واحد وهو “مركزية الثقة”. اي ان الناس يضعون ثقتهم في جهة ما، كالدولة ممثلة بمؤسساتها ، لتوثيق الحقوق او المعاملات او الوقائع . او في البنوك وغيرها من مؤسسات القطاع الخاص لضمان حقوقهم تجاه بعضهم البعض.

غير ان مطوري تقنيات التعامل الالكتروني استطاعوا قلب قاعدة “مركزية الثقة “ لتصبح ” لا مركزية الثقة” لتكون اكثر كفاءة وضمانا لحقوق المتعاملين من “المركزية” وذلك من خلال خلق شبكة من اجهزة الحاسوب عبر الانترنت تتولى كل ذلك.  أهم ما يميز هذه الشبكة ان لا شيء يجمعها ببعضها البعض الا انها قامت بتنصيب واستخدام تطبيق البلوك “تشين عليها”. وبعد ذلك اصبحت قادرة على التفاعل مع الملايين من اجهزة الحاسوب من تلقاء ذاتها ودون اي تدخل بشري. والسؤال المهم :  ما هو ذلك النشاط او التفاعل الذي تجريه تلك الحواسب؟؟

لفهم ذلك علينا ان نتخيل ان شخصا بدعى زيدا اراد ان يكتب سند دين على نفسه لصالح شخص آخر يدعى عمر وان يوثق هذا  السند . فأي طريقة اشد ضمانا من الاخري ، توثيق السنذ لدى الكاتب العدل مثلا؟ وهذا هي الطريقة المتبعة على مبدأ مركزية الثقة. ام اننا نستغني عن كاتب العدل كاملا ، ونطور وسيلة الكترونية تستطيع ان تخلق نسخا مشفرة عن السند  موزعة على ملايين الحواسيب حول العالم ويستحيل المساس بمضمونها على اي نحو كان ؟

ولبيان طريقة عمل ابلوك تشين لنفترض ان قام زيد بفتح حساب له على الشبكة، وكان لديه رصيدا من النقود المشفره بما يعادل ١٠٠٠ وحدة. واراد زيد  ان يدفع لعمر ٥٠٠ وحدة من النقود المشفرة. ولأن عملية الشراء تتطلب توثيقا ، فإن على اجهزة الحاسوب المشتركة في الشبكة ان تقوم بأمرين: الاول : ان تتحقق ان لزيد في رصيده على الشبكة مبلغ ٥٠٠ وحدة مشفرة. والثاني ان يصار الى الموافقة على توثيق هذا الالتزام عبر تشفيره ووضع طابع زمني عليه يحدد لحظة انشاءه ومن خلال ربطه إلى مجموعة معاملات سابقة يتم حزمها سويا في رزمة واحدة  فيما يسمى الكتلة. وهذا الربط هو بمثابة سلسلة متصلة لكل نشاط يتم على هذه الشبكة بما يحفظ لأي عمليه ذاتيتها وموقعها الزمني بالنسبة لما  هو قبلها او بعدها من حركات.

ولكن كما بينا انه يقتضي من الحواسيب على الشبكة التحقق من رصيد زيد لديها، وهي تستطيع ذلك من خلال مراجعة الحركات التي اجراها زيد سابقا. وبما ان لا يوجد حاسوب او مؤسسة تنظم نشاط الحواسيب وادارة عملها، فإنه حتى يتقرر إذا ما كان لزيد رصيد كاف من عدمه على الحواسيب ان تجري عملية تصويت فيما بينها لتقرير كفاية رصيد زيد من عدمه. وهذا التصويت يجري تلقائيا والكترونيا بين الحواسيب بحيث اذا كانت نتيجة التصويب ان ٥١ ٪ من الحواسيب صوتو ا لصالح ان لزيد رصيد كاف ، تجاز عمليه توثيق السند نحو الخطوة التي تليها وهي ربطه بالكتلة التي سبقته.

ولأنه ، مرة أخرى، لا يوجد حاسوب رئيسي او مسؤول ، فثمة حاسوب عليه ابلاغ باقي الحواسيب ان تقوم بربط هذه الحركة بالكتلة السابقة لها ، ولتعيين هذا الحاسوب المُبلِّغ ، لا بد من وسيلة تلقائية لإتمام هذا التعيين، وهذا الوسيلة هي من خلال بناء معادلة رياضية معقدة للغاية    ليس بإمكان اي حاسوب حلها بمفرده ايا كانت المدة ، بل لا بد من اشتراك جميع حواسيب الشبكة حول العالم مجتمعين  لتتعاون فيما بينها لحل هذه المعادلة. وبعد ايجاد الحل ، وهو رمز آخر مكون من سلسلة من الحروف والارقام، يصبح بالامكان استخدام هذا الرمز لربط هذا السند بالكتلة التي سبقته من خلال استخدام الرمز. بالطبع ان ايجاد الحل ، سيكون من نصيب احد الاجهزة الذي سيسبق نظرائه ولو بفارق جزيئات من الثانية، وهذا الحاسوب يصبح الفائز ، ويكون من حقه ربط هذه السند الى الكتلة ، كما يصبح من حقه تعميم الحل على باقي الاجهزة حتى تتمكن من اجراء الربط ، والانتقال الى المسألة التي تليها.

وبهذا تصبح هذه الحركة موثقة في سلسلة متوالية من الحركات على ملايين الحواسيب حول العالم ، ليس بامكان اي حاسوب اختراقها بمفردة ما لم تحتمع جميع الحواسيب مع بعضها البعض لفك شفرتها، وهذا امر من المستحيل بداهة تحققه لان احدا لا يستطيع ان يتحكم بملايين الحواسيب عن بعد ايا كانت مقدرته.

على هذا الاساس توصل علماء تلك التقنية اقناع العالم ان تقنية البلوك تشين اكثر امانا وعصية على الاختراق باي شكل كان، هذا بخلاف كلفتها الزهيدة حيث ان حفظ المعلومات يكون الكترونيا وعلى نحو تلقائي.

ومن ناحية اخرى فإن الاثرالقانوني الذي تتركه علي مجموعة القوانين والتشريعات السائدة عالميا من الصعب حصرها ايضا. لقد استقرت الانظمة القانونية عالميا في الامور التجارية مثلا على مبدأ الائتمان التجاري، اي ان الثقة في التعاملات تصبح ذات شأن في قيام عملية التراضي. وأن الثقة عنصر رئيسي  في التعاملات التجارية لأنها تكفي التاجر احيانا للقبول بتنفيذ التزامه . غير ان ذلك من الصعب تخيله في سلسلة الكتل، التي تقوم فيها اجهزة الشبكة المتناثرة حول العالم بتقرير اجازة او عدم اجازة التزام ما وفق ما هي تقرره حسب ملاءة التاجر التي تقرره  اجهزة الشبكة ذاتها.

كما اعتماد المؤسسات المصرفبة مكانا آمنا لايداع النقود يصبح غير ذات جدوى ذلك ان وحدات الملكية تصبح مخزنة المترونا في الشبكة ولا مجال لتعرضها للسرقة او الفقدان بأي شكل كان.  مؤدى هذا التقنية، ان حاجة العالم الى القواعد القانونية التي تضمن حقوقهم سيختلف الى حد كبير عما هو قائم الآن. ثمة دول بدأت منذ الآن في اعداد قوانينها للتعامل مع تلك التقنية القادمة الينا عالميا لا محالة.

Be First to Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *